فصل: تفسير الآيات رقم (97- 101)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 19‏]‏

‏{‏وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ‏(‏14‏)‏ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏(‏16‏)‏ أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ‏(‏17‏)‏ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ‏(‏18‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

ولما ذكر إعراضهم عن المسموع، أتبعه إعراضهم عن المرئي فقال‏:‏ ‏{‏وإذا رأوا آية‏}‏ أي علامة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره ‏{‏يستسخرون *‏}‏ أي يطلبون السخرية بها بأن يدعو بعضهم بعضاً لذلك من شدة استهزائهم‏.‏

ولما كان إنكارهم للبعث ولو صدر مرة واحدة في الشناعة والعظم والقباحة مثل تجديدهم للسخرية كلما سمعوا آية والمبالغة فيها لأن دلائله من الظهور والوضوح بمكان هو في غاية البعد عن الشكوك، دل على ذلك بالتعبير بالماضي فقال‏:‏ ‏{‏وقالوا‏}‏ أي ما هو غاية في العجب‏:‏ ‏{‏إن‏}‏ أي ما ‏{‏هذا‏}‏ أي الذي أتانا به من أمر البعث وغيره مما شاهدناه أو أخبرنا به ‏{‏إلا سحر‏}‏ أي خيال وأمور مموهة لا حقائق لها ‏{‏مبين *‏}‏ أي ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ثم خصوا البعث بالإنكار‏:‏ ‏{‏أإذ متنا‏}‏ وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة الإنكار فقالوا‏:‏ ‏{‏وكنا‏}‏ أي كوناً هو في غاية التمكن ‏{‏تراباً‏}‏ قدموه لأنه أدل على مرادهم لأنه أبعد عن الحياة ‏{‏وعظاماً‏}‏ كأنهم جعلوا كل واحد من الموت والكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة أو المختلطة منهما مانعاً من البعث، وهذا بعد اعترافهم أن ابتداء خلقهم كان من التراب مع أن هذا ظاهر جداً «ولكن عقول ضلها باريها» ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على قراءة من قرأ به زيادة في الإنكار فقالوا‏:‏ ‏{‏أإنا لمبعوثون *‏}‏‏.‏

ولما كان المعنى‏:‏ أيثبت بعثنا، عطفوا عليه قولهم مكررين للاستفهام الإنكاري تأكيداً لزيادة استبعادهم حتى أنهم قاطعون بأنه محال فقالوا قولاً واهياً‏:‏ ‏{‏أو آباؤنا‏}‏ أي يثبت بعثنا وكذا آباؤنا وزادوا في الاستبعاد بقولهم‏:‏ ‏{‏الأولون *‏}‏ اي الذين طال مكثهم في الأرض تحت أطباق الثرى وانمحقت أجزاؤهم بحيث لم يبق لهم أثر ما، ومرت الدهور ولم يبعث أحد منهم يوماً من الأيام، يدلنا بعثه على ما يدعي من ذلك‏.‏

ولما بالغوا هذه المبالغات في إنكاره بعد قيام البراهين في هذه السورة وغيرها على جوازه بل وجوبه عادة، أمره بأن يجيبهم بما يقابل ذلك فقال تعالى‏:‏ ‏{‏قل نعم‏}‏ أي تبعثون على كل تقدير قدرتموه، وذكر حالهم بقوله‏:‏ ‏{‏وأنتم داخرون *‏}‏ أي مكرهون عليه صاغرون ذليلون حقيرون‏.‏ ثم سبب عن الوعد بتحتم كونه ما يدل على أنه غاية في الهوان فقال‏:‏ ‏{‏فإنما‏}‏ أي يكون ذلك بسبب أنكم تزجرون فتقومون، والزجرة التي يقومون بها إنما ‏{‏هي زجرة‏}‏ أي صيحة، وأكد ما يفهمه من الوحدة لأجل إنكارهم تصريحاً بذلك وتحقيراً لأمر البعث في جنب قدرته سبحانه وتعالى فقال‏:‏ ‏{‏واحدة‏}‏ وهي الثانية التي كانت الإماتة لجميع الأحياء في آن واحد بمثلها، وأصل الزجر الانتهار ويكون لحث أو منع، وإنما يكون ذلك للمقدور عليه فعل ما يغضب الزاجر، فلذلك سمى الصيحة زجرة‏.‏

ولما كان هذا الكلام مؤذناً بالغضب، حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلاً لهم بمحل البعد وتعميماً لغيرهم، فقال معبراً بالفاء المسببة المعقبة وأداة المفأجأة‏:‏ ‏{‏فإذا هم‏}‏ أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم والحديث أحياء ‏{‏ينظرون *‏}‏ أي في الحال من غير مهلة أصلاً، ولا فرق بين من صار كله تراباً ومن لم يتغير أصلاً، ومن هو بين ذلك، ولعله خص النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال الحياة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إذا قبض الروح تبعه البصر» وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الكفار من قتلى بدر‏:‏ «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وشاهدت أنا في بلاد العرقوب المجاروة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء متى قيل عندها «هات لي المنجل لأقطع هذه الشجرة» أخذ ورقها في الحال في الذبول- فالله أعلم ما سبب ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 28‏]‏

‏{‏وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏20‏)‏ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏21‏)‏ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ‏(‏22‏)‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ‏(‏23‏)‏ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ‏(‏24‏)‏ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ‏(‏25‏)‏ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ‏(‏26‏)‏ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏27‏)‏ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ‏(‏28‏)‏‏}‏

ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل المضارع، عطف عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاماً بتحقق الأمر تحقق ما مضى وكان، وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلاً فقال‏:‏ ‏{‏وقالوا‏}‏ أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من أنه لا ملازم لهم غير الويل‏:‏ ‏{‏يا ويلنا‏}‏ اي يا من ليس لنا نديم غيره ‏{‏هذا يوم الدين *‏}‏ أي الجزاء لكل عامل‏.‏

ولما كان قولهم هذا إنما هو للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به، زادوا في ذلك بقولهم يخاطب بعضهم بعضاً بدلاً أو وصفاً بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم من الهول‏:‏ ‏{‏هذا يوم الفصل‏}‏ أي الذي يفصل فيه بين الخصوم، ثو زادوا تأسفاً وتغمماً وتلهفاً بقولهم، لافتين القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض وأبعد عن الإنصاف بالاعتراف‏:‏ ‏{‏الذي كنتم‏}‏ أي يا دعاة الويل جبلة وطبعاً ‏{‏به تكذبون *‏}‏ وقدموا الجار إشارة إلى عظيم تكذيبهم به، فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدئ قواهم، ويقر قلوبهم وكلاهم، لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم، ولبيان السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ما يدل على النداء من نحو قوله‏:‏ فقيل الملائكة، أو فقلنا، أو فبرز النداء من جانب سلطاننا- ونحو هذا‏:‏ ‏{‏احشروا‏}‏ أي اجمعوا بكره وصغار وذل أيها الموكلون بالعباد من الأجناد، وأظهر تعريفاً بوصفهم الموجب لحتفهم فقال‏:‏ ‏{‏الذين ظلموا‏}‏ أي بما كانوا فيه في الدنيا بوضع الأشياء في غير محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في أشد الظلام ‏{‏وأزواجهم‏}‏ أي أتباعهم الذين استنوا بهم في ذلك الضرب من الظلم وأشباههم فيه من الجن وغيرهم ومن أعانهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم يبكت بعضاً وبعضهم يشتم بعضاً ‏{‏وما كانوا‏}‏ أي بما دعتهم إليه طباعاتهم المعوجة ‏{‏يعبدون *‏}‏ أي مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقاً لخسارتهم بتحقق اعتمادهم على غير معتمد، وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازاً بالتزيين «ومن سبقت له الحسنى» مستثنى بآية الأنبياء، وأشار إلى سفول رتبة معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفاً الأسلوب من المتكلم ولو بمظهر العظمة إلى أعظم منه‏:‏ ‏{‏من دون الله‏}‏ أي الذي تفرد بنعوت العظمة وصفات الكمال، والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ويأمروهم بتوحيد الله‏.‏

ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء المعنوية استحقوا أن يلزموا في القيامة سلوك طريقه الحسية، فلذلك سبب عن الأمر بحشرهم قوله تهكماً بهم وتحسيراً لهم‏:‏ ‏{‏فاهدوهم‏}‏ أي دلوهم دلالة لا يرتابون معها ليعرفوا- مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها- مآلهم، فيكون ذلك أعظم في نكدهم؛ قال الرازي‏:‏ وأصل الهداية التقدم، والعرب تسمي السابق هادياً، يقال‏:‏ أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها، والهادية‏:‏ العصى- لأنها تتقدم ممسكها، ونظر فلان هدى أمره أي جهته‏.‏

ثم أشار إلى طول وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء‏:‏ ‏{‏إلى صراط الجحيم *‏}‏ أي طريق النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه يشترطهم فيؤديهم إليها، وخص هذا الاسم إعلاماً بشديد توقدها وعظيم تأججها، وبعد قعرها وضخامة غمرتها، بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها، وعلو شأنها واصطلاحها، وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها على داخليها وتضايقها، وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر والتعاضد‏.‏

ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولاً ازدياد الحسرة، صرح بما أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال‏:‏ ‏{‏وقفوهم‏}‏ أي احبسوهم واقفين بعد ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال، فكانت ثمرتها الشقاوة، وإيقافهم يكون عند الصراط- نقله البغوي عن المفسرين، قال‏:‏ لأن السؤال عند الصراط‏.‏ ثم علل ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏إنهم مسؤولون *‏}‏ وجمع عليهم الهموم بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب، فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم، ولا مصيبة إلا علت قلوبهم فقهرتهم، فإن المكلف كله ضعف وعورة، فموقف السؤال عليه أعظم حسرة‏.‏

ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال والقيل، نودوا من مقام السطوة، وحجاب الجبروت والعزة، زيادة في تأسيفهم وتوبيخهم وتعنيفهم لفتاً عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة‏:‏ ‏{‏ما لكم‏}‏ أي أيّ شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم ‏{‏لا تناصرون *‏}‏ أي ينصر بعضكم بعضاً، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر- بما يفهمه إسقاط التاء، أو بعد تمكث وإعمال حيلة- بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد والإدغام‏:‏ أين قولكم في بدر ‏{‏نحن جميع منتصر‏}‏ معبرين بما دل على ثبات المناصرة‏.‏

ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم، وأحدّ إدراكهم وإحساسهم، أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد بأن قال مضرباً عما تقديره‏:‏ إنهم لا يتناصرون‏:‏ ‏{‏بل هم‏}‏ وزاد في تعظيم ذلك الوقت والتذكير به فقال‏:‏ ‏{‏اليوم مستسلمون *‏}‏ أي ثابت لهم استسلامهم ثباتاً لا زوال له، قد خذل بعضهم بعضاً موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم‏.‏

ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم، فقال عاطفاً على قوله ‏{‏وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين‏}‏ إشارة إلى إقبالهم على الخصام، حين تمام القيام، والأخذ في تحريك الأقدام، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام، إلى مواطن النكد والاغتمام، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسبباً عن القيام، ولا عن الإيقاف للسؤال، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة‏:‏ ‏{‏وأقبل بعضهم‏}‏ أي الذين ظلموا ‏{‏على بعض‏}‏ أي بعد إيقافهم وتوبيخهم، وعبر عن خصامهم تهكماً بهم بقوله‏:‏ ‏{‏يتساءلون *‏}‏ أي سؤال خصومة‏.‏

ولما كان كأنه قيل‏:‏ عما ذا‏؟‏ أجيب بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا‏}‏ أي الأتباع لرؤسائهم مشيرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين لأجل تكذيب الرؤساء لهم‏:‏ ‏{‏إنكم كنتم‏}‏ ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم بما تقبله عقولهم على ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان يريد الذهاب إلى أمر فتطير بالسانح والبارح، فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو قاطع بحصوله، أشاروا إلى ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏تأتوننا‏}‏ مجاوزين لنا ‏{‏عن اليمين *‏}‏ أي عن القوة والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال، ففعلنا في طاعتكم فعل من خرج لحاجة، فرأى ما أوجب إقدامه عليها، فهذا كان سبب كفرنا، وكان هذا التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في الميسر فاضطرب كلام أهل اللغة في تفسيره، قال صاحب القاموس‏:‏ البارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك، وسنح الظبي سنوحاً ضد برح‏.‏ وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال‏:‏ وسنح الشيء سنوحاً‏:‏ تيسر، والطائر والظبي‏:‏ جرى عن يمينك إلى يسارك وهو يتيمن به، وقال في مادة «برح»‏:‏ وبرح الطائر والظبي وغيرهما ضد سنح، وهو ما أراك ميامنه، وأهل الحجاز يتشاءمون به، وغيرهم يتيمنون به ويتشاءمون بالسانح، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم في مادة «برح»‏:‏ والبارح خلاف السانح، وقد برح الظبي- إذا والاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك، والعرب يتطير بالبارح وفي مادة «سنح»‏:‏ والسانح ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك والبارح‏:‏ ما أتاك من ذلك عن يسارك وقيل‏:‏ السانح ما والاك ميامنه والبارح ما والاك مياسره وقيل السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره مياسرك والعرب تختلف في عيافة ذلك، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح، وعلى هذا المثل‏:‏ من لي بالسانح بعد البارح، قال في القاموس‏:‏ أي بالمبارك بعد المشؤوم، ومنهم من يتشاءم بالسانح، وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في مادة «سنح»‏:‏ والسانح من الطير والظباء وغيرهما هو الذي يأتيك عن يمينك أخذاً على يسارك فيوليك مياسره فيمكنك رميه وأكثر العرب يتيمن به وقال في مادة «برح»‏:‏ والبارح من الطير والظبي هو خلاف السانح وهو الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك، وهو مما يتيمن به أهل العالية، ويتشاءمون بالسانح، والسانح هو الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك، وهو مما يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح، والبارح أبين في التشاؤم من السانح، لأن البارح هو الذي يأخذ عن يسارك إلى يمينك فلا يمكنك طعنه، فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو الرامي، ولذلك قال أبو داود‏:‏ قلت‏:‏ لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان برح، يقول‏:‏ كذب إذ طمع أن ينجو، وإن كان قد برح وصعب على إمكان طعنه، وتطير ومن تيمن به بسلامته وخلاصة من الطاعن، وتطير من تيمن بالسانح بأنه يأتي من ميامنك إلى مياسرك، فيمكنك من طعنه، ومن تشاءم به تطير بقلة سلامته ووقوعه فيما يكره، ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك مواجهة، ومنه الناطح أيضاً ومنه القعيد، وهو الذي يأتيك من خلفك- انتهى ما وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك فافهم، والظاهر كما تفهمه الآية أن العرب مطبقة على أن ما أتى عن اليمين كان مباركاً سواء كان أتى من قدام مواجهاً لك ومر إلى جهة الخلف فوليتك ميامته، أو أتى من الجانب الأيمن سواء كان ابتداء إتيانه من خلف أو لا فمر من قدامك عرضاً إلى جهة اليسار، فوليتك في الحالتين مياسره، وما أتى من جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوماً، وكأنهم اختلفوا في التسيمة فأكثرهم سمى الأول سانحاً من السنح بالضم وهو اليمن والبركة، وهو من قولهم‏:‏ سنح لي رأي‏:‏ تيسر- لشهرة معنى اليمن عندهم في ذلك، والثاني بارحاً من البرح، وهو الشدة والشر لشهرة هذا المعنى عندهم في مادة برح، وبعهضم عكس فسمى الأول بارحاً من البرحة، وهي الناقة تكون من خيار الإبل لشهرة ذلك عندهم، وسمى الثاني سانحاً من قولهم‏:‏ سنحه عما أراد‏:‏ صرفه، وسنح بالرجل وعليه‏:‏ أخرجه أو أصابه بشر، فمن الاختلاف في التسمية أتى الخلاف، ولذلك عبر سبحانه وتعالى بالمعنى دون الاسم، لأن كلامه سبحانه لا يخص قوماً دون غيرهم، وأما التعليل بإمكان الطعن والرمي فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه بأدنى حركة فينعكس بالنسبة إليه أمر المياسر والميامن، ويتغير حال الطعن والرمي، هذا إذا سلم أن الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير مسلم، ولو كان المعنى دائراً عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة إلى الأعسر وغيره، لا بالنسبة إلى أهل العالية وغيرهم، وأما البيت الذي استدل به فيمكن حمله على أن قائله كان في حاجة له لا بد له منها، فرأى البارح فلم يتطير منه ولج في أمره ذلك تكذيباً له فيما دل عليه عند العرب، وأما الجابه وغيره فأسماء أخر لبعض أنواع كل من السانح والبارح- والله أعلم، وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه الزينة‏:‏ العيافة والقيافة والزجر نوع من الكهانة إلا أنه أخف في الكراهة وذلك أن الكاهن كان بمنزلة الحاكم وكان من الكهان من يعبد كما يعبد الصنم، وكانوا سدنة الأصنام، قلت‏:‏ والكاهن في اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم، فهو وصف يدل على التوغل في العلم- انتهى، قال أبو حاتم‏:‏ وسمعت بعض أهل الأدب قال‏:‏ الكاهن بالعبرانية العالم، وكانوا يسمون هارون عليه السلام كهناً رباً، معناه عالم الرب، ثم قال‏:‏ إن الكهانة والسحر كان عند المتقدمين نوعاً من العلم، فكان الساحر والكاهن اسمين محمودين، فلما جاء الله بالإسلام صار هذان الاسمان مذمومين عند المسلمين لما كشف لهم ما في ذلك من الشر، ثم قال‏:‏ فأما العائف والقائف والزاجر فلم يكن سبيلهم كذلك- يعني كالكاهن في أنه ربما عبد، قال‏:‏ وإنما كره لأنه كان يخبر بشيء غائب فكره كما كره أمر النجوم توقياً أن يكون مثل الدعوى في علم الغيب، والعائف هو الذي يعيف الطير ويزجرها ويعتبر بأسمائها وأصواتها ومساقطها ومجاريها، فإذا سمع صوت طائر أو جرى من يمينه إلى شماله أو من شماله إلى يمينه قضى في ذلك بخير أو بشر في الأمر الذي يريد أن يفعله، فإذا قضى فيه بشر تجنب ذلك الأمر، يقال‏:‏ عاف يعيف- إذا فعل ذلك، ومعنى عاف أي امتنع وتجنب، يقال‏:‏ عافت الإبل الماء- إذا لم تشرب، وكذلك يقال في غير الإبل الزاجر أيضاً‏:‏ هو مثل العائف، يقال‏:‏ يزجر أيضاً زجراً، وذلك أنه ينظر إلى الطير فيقضي فيها مثل العائف، فإذا رأى شيئاً كرهه رجع عن أمر يريد أن يشرع فيه أو حاجة يريد قضاءها، والزاجر معناه الناهي، فكأن الطير قد زجره عن ذلك الفعل، أو أن من عاف له زجره عن ذلك، ويكون المعنى الزجر أيضاً أنه إذا رأى منها شيئاً صاح بها وطردها، فكان طرده إياها زجراً لها، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏

«أقروا الطير على مكناتها»، قلت‏:‏ إنهم كانوا إذا لم يروا سانحاً ولا بارحاً نفروا الطير لينظروا إلى أيّ جهة تطير- والله أعلم، وقال أبو حاتم‏:‏ والأصل في هذا انهم كانوا يزجرون الطير ثم كانوا يزجرون الظبي والثعلب، وبصوت الإنسان يستدلون بلفظه وبغير ذلك، ثم نسبت كلها إلى الطير فقيل‏:‏ يتطير، أي يستدل بالطير، وروي عن الأصعمي قال‏:‏ سألت ابن عون‏:‏ ما الفال‏؟‏ فقال‏:‏ هو أن تكون مريضاً فتسمع‏:‏ يا سالم، وتكون باغياً فتسمع يا واجد، قال‏:‏ وكان ابن سيرين يكره الطيرة ويحب الفال، وفي الحديث‏:‏

«أصدق الطير الفال» والفال مأخوذ من الفيال، وهي لعبة يتقامرون بها، كانوا يأخذون الدراهم فيخلطونها بالتراب ثم يجمعونه طويلاً ثم يقسمونه بنصفين ويتقارعون عليه، فمن أصابه القرعة اختار من القسمين واحداً، فلما كان المفايل يختار منهما ما أحب سمي الفال، لأنه يتفاءل بما يحبه، وكان هذا في العرب كثيراً، وأكثره في بني أسد، قال الأصمعي‏:‏ أخبرني سعد بن نصر أن نفراً من الجن تذاكروا عيافة بني أسد فأتوهم فقالوا‏:‏ ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف، فقالوا لغليم لهم‏:‏ انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغليم فبكى فقالوا له‏:‏ ما لك‏؟‏ فقال‏:‏ كسرت جناحاً، ورفعت جناحاً، وحلفت بالله صراحاً، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحاً‏.‏ وكانوا يسمون الذي يجيء عن يمينك فيأخذ إلى شمالك سانحاً، والذي يجيء عن يسارك فيأخذ غلى يمينك بارحاً، والذي يستقبلك ناطحاً وكافحاً، والذي يجيء من خلفك قعيداً، والذي يعرض في كل وجه متيحاً، فمنهم من كان يتشاءم بالبارح ويتيمن بالسانح، ومنهم من كان يتيمن بالبارح ويتشاءم بالسانح، قال زهير‏:‏

جرت سنحاً فقلت لها أجيزي *** نوى مشمولة فمتى اللقاء

وقال الكميت‏:‏

ولا السانحات البارحات عشية *** أمر سليم القرن أم مر أعضب

وكانوا يزجرون بعضب القرن وصحته، والأعضب الذي له قرن واحد، وأما القائف فهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل في ولده، ويروى عن عوسجة ابن معقب القائف‏:‏ قال‏:‏ كنا تسرق نخلنا فنعرف آثارهم، فركبوا الحمر فعرفنا بمس أيديهم والعذوق، فكان القائف سمي قائفاً لأنه يقفو الأثر، يقال‏:‏ قفا الأثر وقاف الأثر أي تبعه، قال الأصمعي عن أبي طرفة الهذلي قال‏:‏ رأى قائفان أثر بعير وهما منصرفان من عرفة بعد الناس بيوم أو يومين فقال أحدهما‏:‏ ناقة، وقال الآخر‏:‏ جمل، فاتبعاه فإذا هما به، فاطافا به فإذا هو خنثى، ويقال للرجل إذا كان فطناً عارفاً بالأمور‏:‏ هو عائف وقائف، وكان قوم من العرب لا يتطيرون ولا يتهيبون الطيرة ويفتخرون بتركه ويعدون تركه شجاعة وإقداماً، قال بعض شعرائهم‏:‏

ولقد غدوت وكنت لا *** أغدو على واق وحاتم

فإذا الأشائم كالأيا *** من والأيامن كالأشائم

وقال آخر‏:‏

ولست بهياب إذا اشتد رحله *** يقول عداني اليوم واق وحاتم

ولكنه يمضي على ذاك مقدماً *** إذا صد عن تلك الهناة الخثارم

الخثارم‏:‏ المطير، وقيل‏:‏ العيافة والقيافة، الطرق والخط، وهو أيضاً نوع من الكهانة، وهو أن يخط في الأرض خططاً في الطول، ثم يخط عليها خططاً في العرض، ثم يطرق بالحصى او بالشعير أو بخشبات، ولا يزال يخط ويمحو ويعيد ثم يتكهن عليه، ومن هذا الباب أيضاً علم الكتف وهو أن ينظر في كتف شاة فيحدث بأشياء تكون في العالم مثل الحروب والأمطار والرياح والجدب والخصب وغير ذلك، وهذا يقال له‏:‏ الكتاف، كأنه أشتق له اسم من الكتف مثل العراف لأن العراف من جنس العيافة، والعيافة والعرافة، سواء، فهذه الأشياء كلها من السحر والكهانة والقيافة والعيافة والخط والطرق والكتف وما أشبهها، قد جاءت فيها الأخبار والروايات، ويطول الخطب بها، وهي كلها مكروهة حرام، فمنها ما جاء فيها التشديد مثل السحر، والكهانة، ومنها ما جاء في القليل منها الرخص والتخفيف مثل القيافة والعيافة والكتف- انتهى‏.‏

وهو مسلم له في القيافة، وأما غيرها فمنازع فيه، ثم قال‏:‏ فأكثر هذه الأشياء أصولها من الأنبياء عليهم السلام، فإذا استعملت بعد النسخ وبعد ما جاء فيها النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت حراماً تدعو إلى الكفر والتعطيل وغير ذلك من أنواع الفساد، ثم قال‏:‏ وما كان من أمر مشركي العرب فقد درس دروساً لا يعرف ولا يحتاج إلى ذكر كيفيته إذ كان متلاشياً لا أثر له، ولكن لا يستغني الفقهاء والعلماء عن معرفته إذ كان له في القرآن ذكر، وإذ كان واجباً على العلماء تعلم ما في القرآن على حسب طاقتهم، والجهل به نقص عليهم- والله أعلم بالصواب‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏29- 37‏]‏

‏{‏قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏29‏)‏ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ‏(‏30‏)‏ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ‏(‏31‏)‏ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ‏(‏32‏)‏ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ‏(‏34‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏35‏)‏ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ‏(‏36‏)‏ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

ولما أشار سبحانه بتسمية كلامهم هذا سؤالاً إلى أن مرادهم‏:‏ فهل أنتم مغنون عنا شيئاً أو حاملون عنا جزءاً من العذاب‏؟‏ وكان كأنه قيل‏:‏ بم أجاب الرؤساء بعد هذا القول من الأتباع‏؟‏ قيل‏:‏ ‏{‏قالوا بل‏}‏ أي لم يكن كفرهم سبباً بل‏:‏ ‏{‏لم تكونوا مؤمنين *‏}‏ أي عريقين في هذا الوصف بجبلاتكم فلذلك تابعتمونا فيما أمرناكم به لأنه كان في طبعكم، وهذا دليل على أن من لم يكن راسخاً في الإيمان كان منهم، ثم أكدوا هذا المعنى بقوله نافين لما أشاروا باليمين إليه‏:‏ ‏{‏وما كان‏}‏ أي كوناً ثابتاً ‏{‏لنا عليكم‏}‏ وأعرقوا في النفي بقولهم‏:‏ ‏{‏من سلطان‏}‏ أي فأكرهنا بذلك السلطان، إنما تبعتمونا باختياركم وهو معنى ‏{‏بل كنتم‏}‏ أي جبلة وطبعاً ‏{‏قوماً‏}‏ أي ذوي قوة وكفاية لما تحاولونه من الأمور ‏{‏طاغين *‏}‏ أي مجاوزين لمقاديركم غالين في الكفر مسرفين في المعاصي والظلم، ولذلك أنكم خلق لا تحتاجون فيه إلى كبير تحرك ‏{‏فحق علينا‏}‏ أي كلنا نحن وأنتم بسبب ذلك، وعبروا بما يدل على ندمهم فقالوا‏:‏ ‏{‏قول ربنا‏}‏ أي الذي قابلنا إحسانه إلينا وتربيته لنا بالكفران، وقوله هو الحكم بالضلال لما في قلوبنا من القابلية له والإباء للإيمان، فالحكم بالعذاب‏.‏

ولما تصوروا ما صاروا إليه من الخطأ الفاحش عن الطريق الواضح، وعلموا أن مثل ذلك لا يتركه أحد إلا بقهر قاهر فتصوروا أنه ما قسرهم عليه إلا حقوق الكلمة العليا علموا أنهم مثل ما صاروا إلى حكمها في الكفر يصيرون إلى حكمها في العذاب، فقالوا لما دهمهم من التحسر مريدين بالتأكيد قطع أطماع الأتباع عما أفهمه كلامهم من أن الرؤساء يغنون عنهم شيئاً‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ أي جميعاً ‏{‏لذائقون *‏}‏ أي ما وقع لنا به الوعيد من سوء العذاب‏.‏

ولما قضوا علالة التحسر والتأسف والتضجر، رجعوا إلى إتمام ذلك الكلام فقالوا‏:‏ ‏{‏فأغويناكم‏}‏ أي أضللناهم وأوقعناكم في الغي بسبب حقوق ذلك القول علينا، ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين أيضاً لرد ما ادعاه الأتباع من أنه ما كان سبب إغوائهم إلا الرؤساء‏:‏ ‏{‏إنا‏}‏ أي جميعاً ‏{‏كنا غاوين *‏}‏ أي في طبعنا الغواية، وهي العدول عن الطريق المثلى إلى المهالك‏.‏

ولما قال لهم الرؤساء ما هو الحق من أمرهم مما أوجب الحكم باشتراكهم، سبب عنه قوله تعالى مؤكداً دفعاً لمن يتوهم اختصاص العذاب بالسبب‏:‏ ‏{‏فإنهم‏}‏ أي الفريقين بسبب ما ذكروا عن أنفسهم ‏{‏يومئذ‏}‏ أي يوم إذ كان هذا التقاول بينهم ‏{‏في العذاب‏}‏ أي الأكبر ‏{‏مشتركون *‏}‏ أي في أصله، وهم مع ذلك متفاوتون في وصفه على مقادير كفرهم كما كانوا متشاركين في السبب متفاوتين في شدتهم فيه ولينهم- هذا وقد قال البخاري في صحيحه في تفسير حم السجدة‏:‏ وقال المنهال عن سعيد‏:‏ قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال ‏{‏فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون‏}‏ ‏{‏وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون‏}‏ ‏{‏ولا يكتمون الله حديثاً‏}‏ ‏{‏والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ فقد كتموا في هذه الآية، وقال‏:‏ ‏{‏السماء بناها‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏دحاها‏}‏ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال ‏{‏أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين‏}‏ إلى ‏{‏طائعين‏}‏ فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال‏:‏ ‏{‏وكان الله غفوراً رحيماً‏}‏ ‏{‏عزيزاً حكيماً‏}‏ ‏{‏سميعاً بصيراً‏}‏ فكأنه كان ثم مضى، فقال‏:‏ ‏{‏فلا أنساب بينهم‏}‏ في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قوله ‏{‏ما كنا مشركين‏}‏ ‏{‏ولا يكتمون الله حديثاً‏}‏ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون‏:‏ تعالوا نقول‏:‏ لم نكن مشركين، فنختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده يود الذين كفروا- الآية، وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا الأرض، و‏{‏دحاها‏}‏ أي أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله ‏{‏دحاها‏}‏ وقوله‏:‏ خلق الأرض في يومين، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين، وكان الله غفوراً رحيماً، سمى نفسه ذلك، وذلك قوله، أي لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن فإن كلاًّ من عند الله‏.‏

وقال في سورة المرسلات‏:‏ وسئل ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏هذا يوم لا ينطقون‏}‏ ‏{‏والله ربنا ما كنا مشركين‏}‏ ‏{‏اليوم نختم على أفواههم‏}‏ فقال‏:‏ إنه ذو ألوان، مرة ينطقون ومرة يختم عليهم‏.‏

ولما أخبر سبحانه باشتراكهم، استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير إلى عمومه في الدارين لكل من شاركهم في الإجرام، فقال مؤكداً دفعاً لظن من ينكر القيامة وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه نقمة، أو يفعل في التمادي في الإجرام فعل المنكر؛ ‏{‏إنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن ‏{‏نفعل‏}‏ بهم- هكذا كان الأصل، ولكنه علق بالوصف تعميماً وتعليلاً فقال‏:‏ ‏{‏بالمجرمين *‏}‏ أي كل قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة، نمهل ثم نأخذ أخذاً عنيفاً يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون، ويحيل بعضهم على بعض ثم لا ينفعهم ذلك، بل نشارك بينهم في العقوبة، ثم علل تعذيبه لهم بقوله مؤكداً للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن أحداً يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها‏:‏ ‏{‏إنهم كانوا‏}‏ أي دائماً ‏{‏إذ قيل لهم‏}‏ أي من أيّ قائل كان‏:‏ ‏{‏لا إله‏}‏ أي يمكن، وإذا نفي الممكن كان الموجود أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن وجوده وإن كان واجباً ‏{‏إلا الله‏}‏ أي الملك الأعلى المباين لجميع الموجودات في ذاته وصفاته وافعاله كما هو الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى مسكة بصفات الكمال، وقدم النفي لأن التحلية لا تكون إلا بعد التخلية ‏{‏يستكبرون *‏}‏ أي يوجدون الكبر عن الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن متابعة الداعي إليه، استكبار من هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من العراقة والعتو، فلم يكن لهم مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة من هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في شيء من ساعات أيامهم- التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون- خير ينجيهم من المكارة‏.‏

ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله، أتبعه الإخبار بأنهم تكلموا في رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يرضاه‏:‏ فقال‏:‏ ‏{‏ويقولون‏}‏ أي كل حين ما دلوا به على بعدهم عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك في استفهام إنكاري مؤكداً‏:‏ ‏{‏إئنا لتاركوا آلهتنا‏}‏ أي عبادتها، وكان تأكيد أصل الكلام للإشارة إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم بحالهم يراهم جديرين بترك ما هم عليه لما جاء به صلى الله عليه وسلم، ولذلك أعلم بأن ما هم عليه عناد بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض بالبديهة بقوله‏:‏ ‏{‏لشاعر مجنون *‏}‏ فإن الجنون لا نظام معه، والشعر يحتاج إلى عقل رصين وقصد قويم، وطبع في الوزن سليم، أو للإشارة إلى أن إنكار المؤكد إنكار لغيره بطريق الأولى‏.‏

ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل، فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب وكلام المجنون تخليط، كان كأنه قال في جوابهم‏:‏ إنه لم يجئ بشرع ولا بجنون‏:‏ ‏{‏بل جاء بالحق‏}‏ أي الكامل في الحقية‏.‏

ولما كان ما جاء به أهلاً لكونه حقاً لأن يقبل وإن خالف جميع أهل الأرض، وكان موافقاً مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم، فكان أهلاً لأن يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق إلى حضيض معرفة الحق على زعمهم بالرجال، فكان مآل أمرهم التقليد قال‏:‏ ‏{‏وصدق المرسلين *‏}‏ أي الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء الله بهم الإكوان في كل أوان، وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم ‏{‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا‏}‏ بأن كذبوا سيدهم بهذا الكلام المتناقض‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 45‏]‏

‏{‏إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ‏(‏38‏)‏ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏39‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏40‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ‏(‏41‏)‏ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ‏(‏42‏)‏ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏43‏)‏ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ‏(‏44‏)‏ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ‏(‏45‏)‏‏}‏

ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان، والزور الظاهر والبهتان، تشوف السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهراً له في أسلوب الخطاب إيذاناً بتناهي الغضب، فقال في قالب التأكيد نفياً لما يترجمونه من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى، ووعظاً لهم ولأمثالهم في الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو مجازاً‏:‏ ‏{‏إنكم‏}‏ أي أيها المخاطبون على وجه التحقير المجرمين ‏{‏لذائقوا‏}‏ أي بما كنتم تضيقون أولياء الله ‏{‏العذاب الأليم *‏}‏‏.‏

ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحداً مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه شيئاً على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله- كيفما كان- إلا عدلاً قال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ أي والحال أنكم ما ‏{‏تجزون‏}‏ أي جزءاً من الجزاء ‏{‏إلا ما‏}‏ أي مثل ما‏.‏ ولما كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة، بين أنها كانت خلقاً لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال‏:‏ ‏{‏كنتم تعملون *‏}‏ نفياً لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئاً بغير تقديره سبحانه‏.‏ ولما كان في المخاطبين بهذا من علم الله أنه سيؤمن، واستثنى من واو «ذائقوا» قوله مرغباً لهم في الإيمان مشيراً إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار الدقيق‏:‏ ‏{‏إلا عباد الله‏}‏ فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه، وأضافهم زيادة في الاستعطاف إلى الاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال، وزاد رغباً بالوصف الذي لا وصف أجلّ منه فقال‏:‏ ‏{‏المخلصين *‏}‏‏.‏

ولما خلصهم منهم، ذكر ما لهم فقال معظماً لهم بأداة البعد‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ أي العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية ‏{‏لهم رزق معلوم‏}‏ أي يعلمون غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبّه وجميع ما يمكن علمه من أموره، وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار ‏{‏لا تدري نفس ماذا تكسب غداً‏}‏ لأن النفس إلى المعلوم أسكن، وبالأنس إليه أمكن‏.‏

ولما كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتأً واحتياجاً، بل تنعماً والتذاذاً وابتهاجاً، لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، فهي غير محتاجة إلى حفظ الصحة قال‏:‏ ‏{‏فواكه‏}‏ أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا‏.‏ ولما كان الذي هو نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا مع العز الذي هو غذاء الروح قال‏:‏ ‏{‏وهم مكرمون *‏}‏ بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من كل شيء أمر حتم لا يكون غيره أصلاً‏.‏

ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال‏:‏ ‏{‏في جنات النعيم *‏}‏ أي التي لا يتصور فيها غيره‏.‏

ولما كان التلذذ لا يكمل إلا مع الأحباب، وكانت عادة الملوك الاختصاص بالمحل الأعلى، بين أنهم كلهم ملوك فقال‏:‏ ‏{‏على سرر متقابلين *‏}‏ أي ليس فيهم أحد وجهه إلى غير وجه الآخر على كثرة العدد‏.‏ ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالشراب، وكان المقصود الطواف فيه، لا كونه من معين، قال‏:‏ ‏{‏يطاف‏}‏ بالبناء للمفعول وكأنها يدلى إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون، فنبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال‏:‏ ‏{‏عليهم‏}‏ أي وهم فوق أسرتهم كالملوك ‏{‏بكأس‏}‏ أي إناء فيه خمر، قالوا‏:‏ وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح، ولا تسمى كأساً إلا والخمر فيها ‏{‏من معين *‏}‏ أي من خمر جارية في أنهارها، ظاهرة للعيون تنبع كما تنبع الماء لا يعالجونها بعصير، ولا يحملهم على الرفق بها والتقصير فيها نوع تقصير، قال الرازي‏:‏ إنما سميت به إما من ظهروها للعين أو لشدة جريها من الإمعان في السير أو لكثرتها من المعن، وهو الكثير، وسمي الماعون لكثرة الانتفاع به، ويقال‏:‏ مشرب ممعون‏:‏ لا يكاد ينقطع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏46- 54‏]‏

‏{‏بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ‏(‏46‏)‏ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ‏(‏47‏)‏ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ‏(‏48‏)‏ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ‏(‏49‏)‏ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏50‏)‏ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ‏(‏51‏)‏ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ‏(‏52‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ‏(‏53‏)‏ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ‏(‏54‏)‏‏}‏

ولما كان أول ما يختار في الشراب لونه ثم طعمه، قال واصفاً ما في الكأس من الخمر استخداماً‏:‏ ‏{‏بيضاء‏}‏ أي مشرقة صافية هي في غاية اللطافة تتلألأ نوراً، وأعرق في وصفها بالطيب بجعلها تفسيراً للمعنى في قوله‏:‏ ‏{‏لذة للشاربين *‏}‏ بما كانوا يتجرعون من كأسات الأحزان والأنكاد، وأظهر موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، وجمع إشارة إلى أنهم لا يعلونها إلا كذلك بما فيه من مزيد اللذة‏.‏

ولما كان قد أثبت لها الكمال، نفى عنها النقص فقال‏:‏ ‏{‏لا فيها غول‏}‏ أي فساد من تصديع رأس أو إرخاء مفصل أو إخماء كبد أو غير ذلك مما يغتال أي يهلك، أو يكون سبباً للهلاك ‏{‏ولا هم عنها‏}‏ أي عادة بعد شربها ‏{‏ينزفون *‏}‏ أي يذهب شيء من عقولهم وإن طال شربهم وكثر لئلا ينقص نعيمهم ولا ينفذ شرابهم أو ما عندهم من الجدة لكل ما يسر به- على قراءة حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف- مبنياً للفاعل مثل أقل وأعسر- إذا صار قليل المال، أو ذهب عقله، وقراءة الجماعة بالبناء للمفعول يحتمل أن تكون من نزف، وحينئذ يحتمل أن تكون من نفاذ الشراب من قولهم‏:‏ نزفت الركية، اي ذهب ماؤها، وأن تكون من ذهاب العقل من قولهم‏:‏ نزف الرجل بالبناء للفاعل ونزف بالبناء للمفعول بمعنى‏:‏ ذهب عقله بالسكر ويحتمل أن تكون من أنزف وحينئذ يحتمل أن تكون من ذهاب العقل من أنزف الرجل- إذا ذهب عقله بالسكر، وأن تكون من عدم الشراب من قولهم‏:‏ نزف الرجل الخمرة- سواء كان مبنياً للفاعل أو للمفعول- إذا أفناها‏.‏

ولما كان ذلك كله لا يكمل إلا بالجماع، والخمر أدعى شيء إليه، وهو لا يكمل النعيم به إلا بالاختصاص قال‏:‏ ‏{‏وعندهم‏}‏ نساء من أهل الدنيا وغيرها ‏{‏قاصرات الطرف‏}‏ أي لا تطرف واحدة منهن إلى غير زوجها ولا يدعه تناهي حسنها وفرط جمالها طرفها يطرف إلى غيرها ‏{‏عين *‏}‏ أي نجل العيون، جمع عيناء، كسرت عينه لمناسبة الياء‏.‏

ولما كان أحسن الألوان لا سيما عند العرب الأبيض الأحمر المشرب صفرة أكتسبته صفاء وإشراقاً وبهاء، قال‏:‏ ‏{‏كأنهن بيض‏}‏ أي بيض نعام ‏{‏مكنون *‏}‏ أي مصون من دنس يلحقه، وغبار يرهقه، ولمحبة العرب لهذا اللون كانت تقول عن النساء بيضات الخدور لأنه لونه أبيض مشرباً صفرة صافية، وقد صرح امرؤ القيس بهذا في لاميته المشهورة فقال‏:‏

كبكر مقاناة البياض بصفرة *** غذاها نمير الماء غير المحلل

أي مخالطة البياض المائل إلى الحمرة بصفرة، وهو أصفى الألوان واعدلها، يشابه لون نور القمر‏.‏

ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور، وكان السرور لا يتم إلا بالمنادمة، وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة، تسبب عن ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في المقال‏:‏ ‏{‏فأقبل بعضهم‏}‏ أي أهل الجنة بالكلام، وأشار إلى أن مجرد الإقبال بالقصد يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال‏:‏ ‏{‏على بعض‏}‏ أي لأجل الكلام الذي هو روح ذلك المقام، وأما المواجهة فقد تقدم أنها دائمة، وبين حال هذا الإقبال فقال‏:‏ ‏{‏يتساءلون *‏}‏ أي يتحدثون حديثاً بيناً لا خفاء بشيء منه بما أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من أحوالهم التي خلصوا منها بعد أن كادت ترديهم، وسماه سؤالاً لأنه مع كونه أهلاً لأن يسأل عنه- لا يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحادث أن يصغي إلى الحديث، وعبر عنه بالماضي إعلاماً بتحققه تحقق ما وقع‏.‏

ولما تشوف السامع إلى سماع شيء منها يكون نموذجاً للباقي، أشار إلى ذلك بقوله مستأنفاً‏:‏ ‏{‏قال قائل منهم‏}‏ أي في هذا التساؤل، وشتان ما بينه وبين ما مضى خبره من تساؤل أهل النار‏.‏

ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث عنه فنجاه الله منه على خلاف الظاهر، فكان ذلك إحدى النعم الكبرى، نبه عليه بالتأكيد فقال‏:‏ ‏{‏إني كان لي قرين *‏}‏ أي جليس من الناس كأنه شيطان مبين ‏{‏يقول‏}‏ أي مكذباً بالبعث مستبعداً له غاية الاستبعاد مجدداً لقوله في كل وقت، يريد أن يختدعني بلطافة قياده إلى سوء اعتقاده‏:‏ ‏{‏أإنك لمن المصدقين *‏}‏ أي بالبعث- يوبخني بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي وإلهاباً لنخوتي وحميتي، ويكرر الإنكار بقوله‏:‏ ‏{‏أإذ متنا‏}‏ أي فذهبت أوراحنا ‏{‏وكنا‏}‏ أي كوناً راسخاً ‏{‏تراباً وعظاماً‏}‏ أي فانمحقت أجسامنا التي هي مراكب الأرواح ‏{‏أإنا لمدينون *‏}‏ أي لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بأن نبعث ونجازى، وكان تأكيده للإشارة منه إلى كل عاقل جدير بأن يكذب بما أقررت به لبعده، أو إلى أنه مكذب به ولو كان مؤكداً‏.‏

ولما كان هذا المقال سبباً لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده، وكان أهل الجنة من علو المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ الأبصار بحيث ينظرون ما شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا، استانف قوله مشيراً إلى أن حاله هذت معلم أنه من أهل النار‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي هذا القائل لشربه هؤلاء الذين هم كما قال بعضهم في موشح‏:‏

رب شرب كالعقد قد نظموا *** في ثياب طرازها الكرم

فاغتنمت الهنا كما اغتنموا *** وظننت الكؤوس بينهمو

أنجماً في سما الهناء ترى *** كل نجم يغيب في بدر

‏{‏هل أنتم مطلعون *‏}‏ أي شافون قلبي بأن تتركوا ما أنتم فيه من تمام اللذة وتكلفوا أنفسكم النظر معي في النار لتسروني بذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏55- 62‏]‏

‏{‏فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ‏(‏55‏)‏ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ‏(‏56‏)‏ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ‏(‏57‏)‏ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ‏(‏58‏)‏ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‏(‏59‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏60‏)‏ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ‏(‏61‏)‏ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ‏(‏62‏)‏‏}‏

ولما كان المحدث عنه المخلصين، وهم أهل الجنة كلهم أو جلهم، وكان الضمير يعود لما سبقه بعينه، وكان مخاطبو هذا القائل إنما هم شربه، وكان من المعلوم مما مضى من التقابل والتواد والتواصل بالمنادمة والتساؤل أنهم ينتدبون ندبهم إليه ويقبلون قطعاً عليه، وكان النافع لنا إنما هو قوله فقط في توبيخ عدوه وتغبيط نفسه ووليه، لم يجمع الضمير لئلا يلبس فيوهم أنه للجميع، وأعاده عليه وحده لنعتبر بمقاله، ونتعظ بما قص علينا من حاله فقال‏:‏ ‏{‏فاطلع‏}‏ أي بسبب ما رأى لنفسه في ذلك من عظيم اللذة إلى أهل النار ‏{‏فرآه‏}‏ أي ذلك القرين السوء ‏{‏في سواء الجحيم *‏}‏ أي في وسطها وغمرتها تضطرم عليه أشد اضطرام بما كان يضرم في قلبه في الدنيا من الحر كلما قال له ذلك المقال، وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب كمركز الدائرة، ثم استأنف الإخبار عن مكافأته له بما كان من تقريعه وتوبيخه على التصديق بالآخرة بقوله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ أي لقرينه ذلك‏.‏

ولما كان لا يقع في فكر أنه كان يتلفت إلى قوله هذا نوع التفاف لأنه ظاهر البطلان، ولأن هذا القائل محكوم بأنه من أهل الجنة، أكد قوله إشارة إلى أنه كان يؤثر فيه قوله في كثير من الأوقات بما يزينه به الشيطان وتحسنه النفوس بالشهوات، والراحة من كلف الطاعات، وساقه في أسلوب القسم تنبيهاً على التعجب من سلامته منه فقال‏:‏ ‏{‏تالله‏}‏ وزاد التأكيد بعم ما علقه بالاسم الأعظم بالمخففة من المثقلة فقال‏:‏ ‏{‏إن كدت لتردين‏}‏ أي إنك قاربت أن تهلكني وتجعلني في أردأ ما يكون من الأماكن، وفي هذا التأكيد غاية الترغيب في الثبات لمن كان قريباً من التزلزل وفي المباعدة لقرناء السوء‏.‏

ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه، ذكر حسن أثر الله سبحانه عنده، فقال لافتاً الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه‏:‏ ‏{‏ولولا نعمة ربي‏}‏ أي المحسن إليّ بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك ‏{‏لكنت‏}‏ كوناً ثابتاً ‏{‏من المحضرين *‏}‏ أي المكرهين على حضور هذا الموطن الضنك الذي أنت فيه، فيالله ما أعظم إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر قبيحة الأثر، ولقد أبان نظره هذا عن أنه لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس بأدنى منه، فإنه لا شيء ألذ من رؤية العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد وشوش الأفكار، في مثل دلك من الإنكار، وعظائم الأكدار، من غمرات النار‏.‏

ولما رأى ذاك فيما هو فيه من الجحيم، ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم، ما ملك نفسه أن قال كما يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير كأنه في منام أو أضغاث أحلام، لا يصدق ما صار إليه سروراً‏:‏ ‏{‏أفما‏}‏ أي أنحن يا إخواني منعمون مخلدون فيتسبب عن ذلك أنا ما ‏{‏نحن بميتين *‏}‏ أي بعد حالتنا هذه، وأكده لأن مثله لأجل نفاسته لا يكاد يصدق، ثم أعرق في العموم بما هو معياره فقال‏:‏ ‏{‏إلا موتتنا الأولى‏}‏ أي التي كانت في الدنيا‏.‏

ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت، ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال‏:‏ ‏{‏وما‏}‏ ‏{‏نحن‏}‏ وأكد النفي فقال‏:‏ ‏{‏بمعذبين *‏}‏‏.‏

ولما تذكر هذا فاستفزه السرور، وازدهته الغبطة والحبور، لم يملك نفسه أن قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من خرق العادة منبهاً على عظمته لتعظيم الغبطة‏:‏ ‏{‏إن هذا‏}‏ أي الملك الذي نحن فيه ‏{‏لهو‏}‏ أي وحده ‏{‏الفوز العظيم *‏}‏ أي الذي لا شيء يعدله‏.‏ ولما دل هذا السياق على عظيم ما نالوه، زاد في تعظيمه بقوله‏:‏ ‏{‏لمثل هذا‏}‏ أي الجزاء ‏{‏فليعمل العاملون *‏}‏ أي لينالوه فإنهم يغتنون غنى لا فقر بعده بخلاف ما يتنافسون فيه ويتدالجون عليه من أمور الدنيا، فإنه مع سرعة زواله منغض بكدره وملاله‏.‏

ولما فات الوصف هذا التشويق إلى هذا النعيم، رمى في نعته رمية أخرى سبقت العقول وتجاوزت حد الإدراك وعلت عن تخيل الوهم في استفهام منفر من ضده بمقدار الترغيب فيه لمن كان له لب فقال‏:‏ ‏{‏أذلك‏}‏ الجزاء البعيد المنال البديع المثال ‏{‏خير نزلاً‏}‏ فأشار بذلك إلى أنه إنما هو شيء يسير كما يقدم للضيف عند نزوله على ما لاح في جنب ما لهم وراء ذلك مما لا تسعه العقول ولا تضبطه الفهوم‏:‏ ‏{‏أم شجرة الزقوم *‏}‏ أي التي تعرفها بأنها في غاية النتن والمرارة، من قولهم‏:‏ تزقم الطعام- إذا تناوله على كره ومشقة شديدة، وعادل بين ما لا معادلة بينهما بوجه تنبيهاً على ذلك، ولأنهم كانوا يرون ما سبب ذلك من الأعمال خيراً من أعمال المؤمنين التي سببت لهم النعيم، فكأنهم كانوا يقولون‏:‏ إن هذا العذاب خير من النعيم، فسيق ذلك كذلك توبيخاً لهم على سوء اختيارهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 70‏]‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ‏(‏63‏)‏ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ‏(‏64‏)‏ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ‏(‏65‏)‏ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ‏(‏66‏)‏ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ‏(‏67‏)‏ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ‏(‏68‏)‏ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ‏(‏69‏)‏ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

ولما كان قد أخبر أن نباتها في النار، فكان ذلك سبباً لزيادة تكذيبهم لأن عدم إيمانهم كان سبباً لضيق عقولهم، قال مؤكداً رداً على من يظن أن سبحانه لا يفتن عباده لأنه غني عن ذلك‏:‏ ‏{‏إنا جعلناها‏}‏ أي الشجرة بما لنا من العظمة ‏{‏فتنة للظالمين *‏}‏ أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها كمن هو في الظلام بكونها عذاباً لهم في الأخرى وسبباً لزيادة ضلالهم في الدنيا، ولو وضعوها مواضعها لعلموا أن من جعل في الشجر الأخضر ناراً لا تحرقه يستخرجونها هم متى شاؤوا فيحرقون بها ما شاؤوا من حطب وغيره قادر على أن ينبت في النار شجراً أخضر لا تحرقه النار، ثم نبه على أن محل الفتنة جعلها فيما ينكرونه، فقال تعالى مؤكداً لأجل إنكارهم معللاً لجعلها فتنة تخالطهم فتحيلهم في الدنيا بحرها وفي الأُخرى بأثرها‏:‏ ‏{‏إنها‏}‏ وحقق أمر نباتها بقوله‏:‏ ‏{‏شجرة‏}‏ وزاد الأمر بياناً بقوله‏:‏ ‏{‏تخرج‏}‏ وأكده بالظرف فقال‏:‏ ‏{‏في أصل‏}‏ أي ثابت وقعر ومعظم وقرار ‏{‏الجحيم‏}‏ أي النار الشديدة الاضطرام وفروعها ترتفع إلى دركاتها، ثم زاد ذلك وضوحاً وتصويراً بقوله‏:‏ ‏{‏طلعها‏}‏ أي الذي هو مثل طلع النخل في نموه ثم تشققه عن ثمرة ‏{‏كأنه رءوس الشياطين *‏}‏ فيما هو مثل عند المخاطبين فيه، وهو القباحة التي بلغت النهاية، وهذا المثل واقع في أتم مواقعه سواء كان الشيطان عندهم أسماً للحية أو لغيرها، لأن قبح الشياطين وما يتصل بهم في أنهم شر مخص لا يخلطه خير مقرر في النفوس، ولهذا كان كل من استقبح منظر إنسان أو فعله يقول‏:‏ كأنه شيطان، كما انطبع في النفوس حسن الملائكة وجلالتهم فشبهوا لهم الصور الحسان، ولذلك سمت العرب ثمر شجر يقال له الأستن بهذا الاسم، وهو شجر خشن مر منتن منكر الصورة‏.‏

ولما أثبت أمرها بما هو في غاية الفتنة لها واللطف للمؤمنين، سبب عن الفتنة بها قوله‏:‏ راداً لإنكارهم أن يأكلوا مما لا يشتهونه ومكذباً لما كانوا يدعون من المدافعة‏:‏ ‏{‏فإنهم‏}‏ أي بسبب كفرانهم بها وبغيرها مما أمرهم الله ‏{‏لآكلون منها‏}‏ أي من هذه الشجرة من شوكها وطلعها وما يريد الله بما يؤلم منها‏.‏ ولما كانوا قد زادوا في باب التهكم في أمرها، زاد التأكيد في مقابلة ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏فمالئون منها‏}‏ ومن غيرها في ذلك الوقت الذي يريد الله أكلهم منها ‏{‏البطون *‏}‏ قهراً على ذلك وإجباراً‏.‏ ولما أحرق أكبادهم من شديد الجوع زيادة في العذاب، ولما جرت العادة بأن الآكل المتنعم يتفكه بعد أكله بما يبرد غلة كبده، قال مشيراً إلى تناهي شناعة متفكههم، وطويل تلهبهم من عطشهم، بأداة التراخي وآلة التأكيد لما لهم في ذلك من عظيم الإنكار‏:‏ ‏{‏ثم إن لهم عليها‏}‏ أي على أكلهم منها ‏{‏لشوباً‏}‏ أي خلطاً عظيم الإحراق ‏{‏من حميم *‏}‏ أي ماء حار كأنه مجمع من مياه من عصارات شتى من قيح وصديد ونحوهما- نسأل الله العافية‏.‏

ولما كان ما ذكر للفريقين إنما هو النزل الذي مدلوله ما يكون في أول القدوم على حين غفلة، وكانوا يريدون الحميم كما يورد الإبل الماء، وكان قوله تعالى ‏{‏يطوفون بينها وبين حميم آن‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 44‏]‏ يدل على أن ذلك خارجها أو خارج غمرتها، كما تكون الأحواض في الحيشان خارج الأماكن المعدة للإبل، قال مبيناً أن لهم ما هو أشد شناعة من ذلك ملوحاً إليه بأداة التراخي‏:‏ ‏{‏ثم إن مرجعهم‏}‏ أي بعد خروجهم من دار ضيافتهم الزقومية ‏{‏لإلى الجحيم *‏}‏ أي ذات الاضطرام الشديد، والزفير والبكاء والاغتمام الطويل المديد، كما أن حزب الله يتقلبون من جنات النعيم إلى جنات المأوى مثلاً إلى جنات عدن إلى الفردوس التي لا يبغون عنها حولاً كما ينقل أهل السعة والأكابر من أهل الدنيا ضيوفهم في البساتين المتواصلة والمناظر، وينزهونهم في القصور العالية والدساكر‏.‏

ولما أخبر عن عذابهم هذا، وكان سببه الجمود مع العادة الجارية على غير الحق، والتقيد بما ألفته النفس ومال إليه الطباع، مما أصّله من يعتقدون أنه أكبر منهم وأتم عقلاً، علل ذلك تحذيراً من مثله لأنه كان سبب هلاك أكثر الخلق، وأكده لأنهم ينكرون ضلال من أصّل لهم، فتلك العوائد من آبائهم وغيرهم فقال‏:‏ ‏{‏إنهم ألفوا‏}‏ أي وجدوا وجدانا ألفوه ‏{‏آباءهم ضالين *‏}‏ أي عريقين في الضلال، فما هم فيه لا يخفى على أحد أنه ضلال يتسبب عنه النفرة عن صاحبه ‏{‏فهم‏}‏ أي البعداء البغضاء ‏{‏على آثارهم‏}‏ أي التي لا تكاد تبين لأحد لخفاء مذاهبها لوهيها وشدة ضعفها وانطماس معالمها، لا على غيرها ‏{‏يهرعون *‏}‏ أي كأنهم يلجئهم ملجئ إلى الإسراع، فهم في غاية المبادرة إلى ذلك من غير توقف على دليل ولا استضاءة بحجة بحيث يلحق صاحب هذا الإسراع من شدة تكالبه عليه شيء هو كالرعدة، وذلك ضد توقفهم وجمودهم فيما أتاهم به رسولنا صلى الله عليه وسلم من شجرة الزقوم وغيرها مما هو في غاية الوضوح والجلاء، فأمعنوا في التكذيب به والاستهزاء، وأصروا بعد قيام الدلائل، فكانوا كالجبال ثباتاً على ضلالهم، والحجارة الصلاب الثقال رسوخاً في لازب أوحالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 75‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏71‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ‏(‏72‏)‏ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏73‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏74‏)‏ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ‏(‏75‏)‏‏}‏

ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لهداهم والحزن على ضلالهم، والأسف على غيهم ومحالهم، وكان الضلال مع العقل أولاً، ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ثانياً كالمحال، سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق‏:‏ ‏{‏ولقد ضل قبلهم‏}‏ أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم ‏{‏أكثر الأولين *‏}‏ بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عليه السلام إلا وكله أو جله ضلال‏.‏

ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل، نفى ذلك بقوله مؤكداً لنحو ذلك‏:‏ ‏{‏ولقد أرسلنا‏}‏ أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإتيان بما لا ريب فيه من البيان ‏{‏فيهم منذرين *‏}‏ أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان، ومع ذلك فغلب عليهم الضلال، وعناد أهل الحق بالمحال، حتى أهلكهم الله بما له من شديد المجال، وهو معنى قوله‏:‏ ‏{‏فانظر‏}‏ أي فتسبب عن الإرسال أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن يقال لمن تخلف عنهم‏:‏ انظر ‏{‏كيف‏}‏ ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلاً قال‏:‏ ‏{‏كان عاقبة‏}‏ أي آخر امر ‏{‏المنذرين‏}‏ أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم، فاصبر على الشدائد كما صبروا، واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى يأتيك أمر الله‏.‏

ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير حالهم، نبه على حال الطائعين بقوله مستثنياً من ضمير المنذرين‏:‏ ‏{‏إلا عباد الله‏}‏ أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال، فاستحقوا الإضافة إلى اسمه الأعظم ‏{‏المخلصين *‏}‏ أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم يجعلوا فيها شوباً لغيره‏.‏

ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد عن النقائص، ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه الخلق، وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد، فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريداً لنفسه من الشواغل سيراً إلى مولاه وتعريجاً عن كل ما سواه، وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر الماء بين الأرض والسماء، فقال تعالى مؤكداً لما تقدم من أنه دعا إلى التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا معه وتابعوه، ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف المعجزات وتواتر العظات عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين، والعذاب للمكذبين، عطفاً على تقديره‏:‏ فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق، وجاهدوهم بأنفسهم والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم‏:‏ ‏{‏ولقد نادانا‏}‏ لما لنا من العظمة ‏{‏نوح‏}‏ بقوله

‏{‏رب إني مغلوب فانتصر‏}‏ ‏[‏القمر‏:‏ 10‏]‏ ونحوه مما أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من الكروب، والشدائد والخطوب، لنكشف عنه ما أعياه من أمرهم‏.‏

ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة وتطويلها، وكان قد تسبب عن دعائه إجابته، قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد يصدق، فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير وشدة اعتناء، فكانت الإجابة إجابة من يفعل ذلك وإن كانت الإفعال بالنسبة إليه سبحانه على حد سواء، لا تحتاج إلى غير مطلق الإرادة‏:‏ ‏{‏فلنعم المجيبون *‏}‏ أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا، هذه صفتنا لا تغير لها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏76- 82‏]‏

‏{‏وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏76‏)‏ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ‏(‏77‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏78‏)‏ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ‏(‏79‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏81‏)‏ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏82‏)‏‏}‏

ولما كان معنى هذا‏:‏ فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من إيصاله إلى مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي عادتنا دائماً، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏ونجيناه‏}‏ أي بما لنا من العظمة ‏{‏وأهله‏}‏ أي الذين وافقوه في الدين ‏{‏من الكرب العظيم *‏}‏ وهو الأذى من الغرق ‏{‏وجعلنا ذريته هم‏}‏ أي خاصة ‏{‏الباقين *‏}‏ لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم يبق منهم أحد أصلاً، وأهل السفينة لم يعقب منهم أحد غير أولاده، فأثبناه على نزاهته إن كان هو الأب الثاني، فالعرب والعجم أولاد سام، والسودان أولاد حام، والترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج أولاد يافث، فكل من تبع سنته في الخير كان له مثل أجره‏.‏

ولما ذكر لأنه بارك في نسله، أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله فقال‏:‏ ‏{‏وتركنا عليه‏}‏ أي ثناء حسناً، لكنه حذف المفعول وجعله لازماً، فصار المعنى‏:‏ أوقعنا عليه الترك بشيء هو من عظمته وحسن ذكره بحيث يعز وصفه ‏{‏في الآخرين *‏}‏ أي كل من تأخر عن زمانه إلى يوم الدين‏.‏ ولما كان قد كتب الله في القدم سلامته من كل سوء على كثرة الأعداء وطول الإقامة فيهم وشدة الخلاف قال تعالى مستأنفاً مادحاً‏:‏ ‏{‏سلام‏}‏ أي عظيم ‏{‏على نوح‏}‏ من كل حي من الجن والأنس والملائكة لسلام الله عليه‏.‏ ولما كان لسان جميع أهل الأرض في زمانه عليه السلام واحداً، فكانوا كلهم قومه، ولم يكن في زمانه نبي، فكانت نبوته قطب دائرة ذلك الوقت، فكان رسالته عامة لأهله، وكان غير الناس من الخلق لهم تبعاً، خصه في السلام بأن قال‏:‏ ‏{‏في العالمين‏}‏ أي مذكور فيهم كلهم لفظاً ومعنى يسلم عليه دائماً إلى أن تقوم الساعة، وخصوصية نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه أرسل إلى جميع الخلق مع اختلاف الألسنة ومع استمرار الرسالة أبد الآباد، وكون شريعته ناسخة غير منسوخة، وكون جميع الخلق في القيامة تحت لوائه، فهناك يظهر تمام ما أوتيه من عموم البعثة إلى ما ظهر منه في الدنيا‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فعلنا به ذلك لإحسانه، وكان الضالون ينكرون أن تنجو الدعاء إلى الله وأتباعهم منهم، أخبر في سياق التأكيد أنه يفعل بكل محسن ما فعل به فقال ‏{‏إنا‏}‏ أي على عظمتنا ‏{‏كذلك‏}‏ أي مثل ذلك الجزاء بالذكر الحسن والنجاة من كل سوء ‏{‏نجزي المحسنين *‏}‏ أي الذين يتجردون من الظلمات النفسانية إلى الأنوار الملكية بحيث لا يغفلون عن المعبود، ولا ينفكون لحظة عن الشهود‏.‏

ولما أفهمت هذه الجملة- ولا بد- إحسانه إلى المحسن، علل ما أفهمته بقوله‏:‏ مؤكداً إظهاراً للإقبال عليه بأن ذكره مما يرغب فيه، وتكذيباً لمن كذبه‏:‏ ‏{‏إنه من عبادنا‏}‏ أي الذين هم أهل لأن نضيفهم إلى مقام عظمتنا ‏{‏المؤمنين *‏}‏ أي الراسخين في هذا الوصف، المتمكنين فيه، فعلم أن الإيمان هو المراد الأقصى من الإنسان لأنه علل الإنجاء بالإحسان والإحسان بالبيان، ولما أفهم تخصيص ذريته بالبقاء إهلاك غيرهم، وقدم ما هو أهل له من مدحه اهتماماً به وترغيباً في مثله، أخبر عن أعدائه بأنه أوقع بهم لأنهم لم يتحلوا بما كان سبب سعادته من الإيمان بقوله‏:‏ مشيراً إلى العظمة التي أوجدها سبحانه في إغراقهم بأداة التراخي‏:‏ ‏{‏ثم أغرقنا‏}‏ أي بما لنا من العظمة التي لا يقوم لها شيء ‏{‏الآخرين *‏}‏ أي الذي غايروه في الأقوال والأفعال فاستحقوا أضداد أفعالنا معه وهو أهل الأرض كلهم غير أهل السفينة وكلهم قومه كما هو ظاهر الآيات إذا تؤمل تعبيرها عن الدعوة والإغراق ودعائه عليه السلام عليهم، وظاهر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه في حديث الشفاعة أن الناس يقولون‏:‏

«ائتوا نوحاً أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإنما كانوا قوماً لا أكثر، لأنهم كانوا على لسان واحد قبل بلبلة الألسن باتفاق أهل التأريخ، وذلك كما أن العرب يطلق عليهم كلهم على انتشارهم واتساع بلادهم أنهم قوم، لاجتماعهم في اللسان مع أنهم قبائل لا يحصيهم العد، ولا يجمعهم نسب واحد إلا في إسماعيل عليه السلام، وقيل فيما فوقه، فإن النسابين أجمعوا على أن عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، قالوا‏:‏ هو من ولد عدنان، واختلفوا في قحطان أبي اليمن وكذا ثقيف، فقيل‏:‏ هما من ولد إسماعيل عليه السلام، وقيل لا، ثم من قال‏:‏ إن ثقيفاً من ولد إسماعيل عليه السلام، قالوا‏:‏ هو من ولد عدنان، وقال بعضهم‏:‏ لا، ثم إن من ولد عدنان ربيعة ومضر، ومن دون مضر كنانة وهذيل والقارة وخزاعة وأسد وتميم ومزينة والرباب وضبة وقيس، ودون ذلك باهله وأشجع وفزارة وكنانة وقريش وخلائق، ومن دون ربيعة بكر بن وائل وغيرهم، ومن دون ذلك شيبان وعبد القيس والنمر وخلائق، ودون قحطان أبي اليمن لخم وجذام وعائلة وغسان وكندة وهمدان والأزد، ومنهم الأنصار وخلائق غير ذلك، فهؤلاء كلهم- على هذا التشعب والانتشار والاختلاف في الأديان، بل وفي بعض اللغة- يسمون أمة واحدة وقوماً لجمع اللسان لهم في أصل العربية، وبنو إسحاق ليسوا منهم بلا خلاف، مع أنهم أولاد عمهم لمخالفتهم لهم في اللسان على أنهم أقرب من قحطان وثقيف في النسب عند من قال إنهم ليسوا من ولد إسماعيل عليه السلام، وكذا بنو إسحاق عليه السلام افترقوا بافتراق اللسان فبنوا إسماعيل قوم وبنو العيص- وهم الروم- قوم وكذا سائر الأمم إنما يفرق بينهم اللسان وعموم دعوته لبني آدم عليه السلام على هذا الوجه لا يقدح في خصوصية نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الدعوة والأرسال إلى غير قومه، أما العموم فإنه أرسل إلى كل من ينوس من الإنس والملائكة والجن، وأما دعاء الأقوام فالمراد أنه أرسل إلى الموافق في اللسان والمخالف فيه، وأما غيره فما أرسل إلى من خالفه في اللسان ولا إلى غير جنسه وإن كان يندب له أنه يأمر بالمخالفين في اللسان وينهاهم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير وجوب، ولو سلمنا في نوح عليه السلام أنه لم يبعث إلى جميع أهل الأرض انتقض بآدم عليه السلام فإنه نبي مرسل، كما روى ذلك الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر وأبو بكر بن أبي شيبة والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي أمامة الباهلي وأبي ذر رضي الله عنهما وفي بعض طرق أبي ذر التصريح بالإرسال ولا يشك أحد أنه كان رسولاً إلى جميع من أدركه من أولاده، وهم جميع أهل الأرض، وكذلك نوح عليه السلام، لا يشك أحد أنه كان بعد الغرق رسولاً إلى جميع أهل السفينة كما كان قبل ذلك‏:‏ وهم جميع أهل الأرض، فما قدمت من أن الخصوصية بالإرسال إلى ذوي الألسن المختلفة من جميع بني آدم، وإلى المخالف في الجنس من كل من ينوس هو المزيل للإشكال- والله الموفق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏83- 87‏]‏

‏{‏وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ‏(‏83‏)‏ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ‏(‏84‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ‏(‏85‏)‏ أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ‏(‏86‏)‏ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

ولما كان لإبراهيم عليه السلام من التجرد عن النعوت البشرية والعلائق النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين من المصارحة بالمعارضة لقومه، والإبلاغ فيها بكسر الأوثان، وتوهية مذهب الكفران، والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران، حتى عن الدعاء بقلب أو لسان فناء عن جميع الأكوان، ثم الهجرة عن الأوطان، ثم بالخروج عن الأحباب والأخوان، بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان، الذي ليس به إنس ولا جان، ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان، ثم ببناء البيت ذوي الأركان، قبلة للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان، عما سوى الملك الديان، يصفون عند كل صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام، وكان موافقاً لنوح عليه السلام مع ما تقدم في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض الآن، وكان أشهر أمره في النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليه السلام في الماء، تلاه به فقال مؤكداً إظهاراً أيضاً لما له من الكرامة والمنزلة العالية في الإمامة، المقتضية للنشاط في الثناء عليه، المنبهة على ما ينبغي من إتمام العزم في متابعته، وتكذيباً لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من كان قبله‏:‏ ‏{‏وإن من شيعته‏}‏ أي الذين خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم، في التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين ‏{‏لإبراهيم *‏}‏ ثم علق بمعنى المشايعة بياناً لما كانت به المتابعة قوله على تقدير سؤال من قال‏:‏ متى شايعه‏؟‏ ‏{‏إذا‏}‏ أي حين ‏{‏جاء ربه‏}‏ أي المحسن في تربيته ‏{‏بقلب سليم *‏}‏ أي بالغ السلامة عن حب غيره، والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي لا شائبة فيه كما أن الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك، ثم أبدل من ذلك ما هو دليل عليه فقال‏:‏ ‏{‏إذ قال لأبيه‏}‏ أي الذي هو أعظم الناس عنده وأجلهم في غينه وأعزهم لديه ‏{‏وقومه‏}‏ أي الذين لهم من القوة والجدود ما تهابهم به الأسود‏:‏ ‏{‏ماذا‏}‏ أي ما الذي ‏{‏تعبدون *‏}‏ تحقيراً لأمرهم وأمر معبوداتهم منبهاً على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير مكترث بكثرتهم ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم‏.‏

ولما لوح لهم بالإنكار، صرح فقال مقدماً للمفعول تخصيصاً‏:‏ ‏{‏أئفكاً‏}‏ أي صرفاً للحق عن وجهه إلى قفاه‏.‏ ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك، أبدل منه قوله‏:‏ ‏{‏آلهة‏}‏ ثم حقر شأنهم بقوله‏:‏ ‏{‏دون الله‏}‏ أي الذي لا كفوء له ‏{‏تريدون *‏}‏ ولما كان قد غلب عليه الشهود عند تحقيره لهم، سبب عن ذلك تهديداً على فعلهم عظيماً، فقال مشيراً إلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن العطب‏:‏ ‏{‏فما ظنكم‏}‏ ولما كان كفران الإحسان شديداً، ذكرهم بإحسانه حافظاً لسياق التهديد بالإشارة إلى أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان فقال‏:‏ ‏{‏برب العالمين *‏}‏ اي الذي توحد بخلق جميع الجواهر والأعراض وتربيتهم فهو مستحق لتوحيدهم إياه في عبادتهم، أتظنون أنه لا يعذبكم وقد صرفتم ما أنعم به عليكم إلى عبادة غيره، إشارة إلى إنكار تجويز مثل هذا، وأن المقطوع به أن محسناً لا يرضى بدوام إدرار إحسانه إلى من ينسبه إلى غيره‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 96‏]‏

‏{‏فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ‏(‏88‏)‏ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ‏(‏89‏)‏ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ‏(‏90‏)‏ فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ‏(‏91‏)‏ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ‏(‏92‏)‏ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ‏(‏93‏)‏ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ‏(‏94‏)‏ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ‏(‏95‏)‏ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏‏}‏

ولما أفهم السياق شدة عداوته صلى الله عليه وسلم، وكان الله تعالى قد أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض المسائل الظنية لا سيما البحرانات في أنواع الأسقام، وكان أهل تلك البلاد وهم الكسدانيون كما تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وكما دلت عليه كتب الفتوحات- من أشد الناس نظراً في النجوم والاستدلال بها على أحوال هذا العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون، وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر الأصنام ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك، قال تعالى حاكياً عنه مشيراً إلى ذلك بالتسبب عما مضى‏:‏ ‏{‏فنظر نظرة‏}‏ أي واحدة ‏{‏في النجوم *‏}‏ حين طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم موهماً لهم أنه استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له، لأنهم ربما أنكروا كونه مريضاً إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه ‏{‏فقال‏}‏ أي عقب هذه النظرة موهماً أنها سببه‏.‏

ولما كان بدنه صحيحاً فكان بصدد أن يتوقف في خبره، أكد فقال‏:‏ ‏{‏إني سقيم *‏}‏ فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه مريض القلب يسبب آلهتهم، مقسم الفكر في أمرهم لأنه يريد أمراً عظيماً وهو كسرها، ومادة «سقم» بتقاليبها الخمسة‏:‏ سقم سمق قسم قمس مقس، تدور على القسم، فالسقام كسحاب وجبل وقفل‏:‏ المرض، أي لأنه يقسم القوة والفكر، وقال ابن القطاع‏:‏ سقم‏:‏ طاولة المرض‏.‏ وقسمه جزأه، والدهر القوم‏:‏ فرقهم، والقسم- بالكسر‏:‏ النصيب والقسم أي بالفتح‏:‏ العطاء، ولا يجمع، والرأي والشك والعيب والماء والقدر والخلق والعادة، ويكسر فيهما، والتفريق ظاهر في ذلك كله، أما العطاء فيفرق المال ويقسمه، والرأي يقسم الفكر والشك كذلك والعيب يقسم العرض والماء في غاية ما يكون من سهولة القسم، والقدر يفصل صاحبه من غيره، وكذا الخلق والعادة، والمقسم كمعظم‏:‏ المهموم- لتوزع فكره، والجميل- لأنه يقسم القول في وصفه، والقسم محركة‏:‏ اليمين بالله، وقد أقسم، أي أزال تقسيم الفكر، والقسامة‏:‏ الحسن- لأنه يوزع فكر الناظر وجونة العطار- كذلك لطيب ريحها والقسام- كسحاب‏:‏ شدة الحر- لأنها تزعج الفكر فتقسمه، أو هو أول وقت الهاجرة أو وقت ذرور الشمس، وهي حينئذ أحسن ما تكون مرآة- فينقسم الفكر فيها لحسنها إذ ذاك وما يطرأ عليها بعده‏.‏ والقمس‏:‏ الغوص- لأن الغائص قسم الماء بغوصه، والقمس أيضاً اضطراب الولد في البطن لأنه يقسم الفكر، ويكاد أن يقسم البطن باضطرابه، والقاموس‏:‏ معظم البحر- لأن البحر قسم الأرض، ومعظمه أحق بهذا الاسم، والقوامس‏:‏ الدواهي- لتقسيمها الفكر، وانقمس النجم‏:‏ غرب، أي أخذ قسمه من الغروب كما أخذه من الشروق، أو أزال التقسيم بالسير، ومقسه في الماء‏:‏ غطه- فانقسم الماء بغمسه فيه، والقربة‏:‏ ملأها، فصير فيها من الماء ما يسهل قسمه، وأخذه الماء الذي وضعه فيها تقسيم للماء المأخوذ منه، ومقس الشيء‏:‏ كسره، والماء‏:‏ جرى- فانقسم وقسم الأرض، وهو يمقس الشعر كيف شاء، أي بقوله فيقسمه من باقي الكلام، والتقميس في الماء‏:‏ الإكثار من صبه، فإن ذلك تقسيم له، وسمق سموقاً‏:‏ علا وطال فصار بطوله يقبل من القسمة ما لا يقبله ما هو دونه‏.‏

ولما فهموا عنه ظاهر قوله، وظنوا فيه ما يظهر من حاله، ولكنهم لم يسعهم لعظمته فيهم إلا التسليم، تركوه فقال تعالى مسبباً عن قوله مشيراً إلى استبعادهم مرضه بصيغة التفعل‏:‏ ‏{‏فتولوا‏}‏ أي عالجوا أنفسهم وكلفوها أن انصرفوا ‏{‏عنه‏}‏ إلى محل اجتماعهم وإقامة عيدهم وأكد المعنى ونص عليه بقوله‏:‏ ‏{‏مدبرين *‏}‏ أي إلى معبدهم فخلا له الوقت من رقيب ‏{‏فراغ‏}‏ أي ذهب في خفية برشاقة وخفة، ونشاط وهمة، قال البيضاوي‏:‏ وأصله الميل بحيلة ‏{‏إلى آلهتهم‏}‏ أي أصنامهم التي زعموها آلهة، وقد وضعوا عندها طعاماً، فخاطبها مخاطبة من يعقل لجعلهم إياها بذلك في عداد من يعقل ‏{‏فقال‏}‏ منكراً عليها متهكماً بها ظاهراً وموبخاً لقومه حقيقة‏:‏ ‏{‏ألا تأكلون *‏}‏ ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال‏:‏ ‏{‏ما‏}‏ أي أيّ شيء حصل ‏{‏لكم‏}‏ في أنكم ‏{‏لا تنطقون *‏}‏‏.‏

ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطناً من الحجة فقال‏:‏ ‏{‏فراغ‏}‏ أي سبب عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعلياً ‏{‏عليهم‏}‏ بغاية النشاط والخفة والرشاقة يضربهم ‏{‏ضربا باليمين *‏}‏ أي بغاية القوة، وجعل السياق للمصدر إشارة إلى قوة الهمة بحيث صار كله ضرباً‏.‏ ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ظنوا فيه لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدنها فأتوه، أخبر عن ذلك بقوله مسبباً‏:‏ ‏{‏فأقبلوا‏}‏ ودل على أنه من مكان بعيد بقوله‏:‏ ‏{‏إليه يزفون *‏}‏ أي يسرعون، وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلاتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملاً يحملهم فيها على الإسراع وقاهراً يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من الوجد‏.‏

ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم، وكان تشوف النفس إلى جوابه أكثر، استأنف الخبر عنه في قوله‏:‏ ‏{‏قال‏}‏ غير هائب لهم ولا مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكراً عليهم‏:‏ ‏{‏أتعبدون‏}‏ وندبهم بالمضارع إلى التوبة والرجوع إلى الله، وعبر بأداة ما لا يعقل كما هو الحق فقال‏:‏ ‏{‏ما تنحتون *‏}‏ أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير الله فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم‏.‏

ولما كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة، وكان الإيجاد من أعظم النعم، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها إلى ما صارت إليه من الشكل، قال تعالى مبيناً أنه هو وحده خالقهم وخالق أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في الخلق فلا مدخل لها في العبادة‏:‏ ‏{‏والله‏}‏ أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا كفوء له ‏{‏خلقكم‏}‏ أي أوجدكم على هذه الأشكال ‏{‏وما تعملون *‏}‏ أي وخلق عملكم ومعمولكم، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني، ومعلوم أنه لا يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 101‏]‏

‏{‏قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ‏(‏97‏)‏ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ‏(‏98‏)‏ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ‏(‏99‏)‏ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏100‏)‏ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏

ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا يجيبوه بشيء، فتشوف إلى ذلك، أجيب بقوله‏:‏ ‏{‏قالوا ابنوا له‏}‏ أي لأجله ‏{‏بنياناً‏}‏ أي من الأحطاب حتى تصير كالجبل العظيم، فاحرقوها حتى يشتد لهبها جداً فيصير جحيماً ‏{‏فألقوه في‏}‏ ذلك ‏{‏الجحيم *‏}‏ أي معظم النار، وهي على أشد ما يكون إيقاداً‏.‏

ولما كان هذا مسبباً عن إرادتهم لإهانته قال‏:‏ ‏{‏فأرادوا به‏}‏ أي إبراهيم عليه السلام بسبب هذا الذي عملوه ‏{‏كيداً‏}‏ أي تدبيراً يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر عن عجزهم دينهم ‏{‏فجعلناهم‏}‏ أي بعظمتنا بسبب عملهم ‏{‏الأسفلين *‏}‏ المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها عليه برداً وسلاماً بضد عادتها في العمل، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل عملهم الذي هو على مقتضى العادة، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في قولهم، بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه السلام، وظهرت قدرتنا واختيارنا، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف، فكل هذه المعاني- كما ترى- تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي‏.‏

ولما كان التقدير‏:‏ فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى العناد، عطف عليه قوله‏:‏ ‏{‏وقال‏}‏ أي إبراهيم عليه السلام لمن يتوسم فيه أن كلامه يحييه من موت الجهل مؤكداً لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به‏:‏ ‏{‏إني ذاهب‏}‏ أي مهاجر من غير تردد، قالوا‏:‏ وهو أول من هاجر من الخلق ‏{‏إلى ربي‏}‏ أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إليّ بالهجرة إليه، فلا يحجر عليّ أحد في عبادته فيه‏.‏

ولما كان حال سامعه جديراً بأن يقول‏:‏ من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا من التعريف بالموضوع وبما تفعل فيه مما يكون به الصلاح، وما تفعل في التوصل إليه‏؟‏ قال‏:‏ ‏{‏سيهدين *‏}‏ أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها، وهو لا يأمر بشيء إلا نصب عليه دليلاً يهدي إليه، ويسهل لقاصدة المجتهد في أمره سبيله، وقد اختلفت العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية، فهذه العبارة عن أمر الخليل عليه السلام، وعبر عن أمر الكليم عليه السلام بقوله ‏{‏ولما جاء موسى لميقاتنا‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 143‏]‏ وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله ‏{‏سبحان الذي أسرى بعبده‏}‏ ‏[‏الأسراء‏:‏ 1‏]‏ قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات‏:‏ إبراهيم عيله السلام كان بعين الفرق- يعني أنه بعدما كان فيه من الجمع حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ذلك- وموسى عيله السلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه قولاً، ثم أخبر أنه قال ‏{‏رب أرني‏}‏ فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا هو الفناء، ونبينا صلى الله عليه وسلم بعين جمع الجمع- لأن لم ينسب إليه قول ولا فعل، بل هو المراد إلى أن قال ‏{‏لنريه من آياتنا‏}‏ فهذا هو الفناء حتى عن الفناء، ثم قال‏:‏ ‏{‏أنه هو السميع البصير‏}‏ فأثبت له مع ذلك الكمال‏.‏

ولما لم يجد له معيناً على الهجرة غير لوط ابن أخيه عليهما السلام، قال منادياً مناداة الخواص بإسقاط الأداة‏:‏ ‏{‏رب‏}‏ أي أيها المحسن إلي ‏{‏هب لي من‏}‏ أي ولداً من ‏{‏الصالحين *‏}‏ وأسقط الموصوف لأن لفظ الهبة غلب في الولد، فتسبب عن دعوته أنا استجبناها له ‏{‏فبشرناه بغلام‏}‏ أي بذكر في غاية القوة التي ينشأ عنها الغلمة‏.‏

ولما كان هذا الوصف ربما أفهم الطيش، وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره فقال‏:‏ ‏{‏حليم *‏}‏ أي لا يعجل بالعقوبة مع القدرة، لأنه في غاية الرزانة والثبات، فيكون ذلك إشارة إلى حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن إبراهيم لحليم، والحلم لا يكون إلا بعد العلم، ورسوخ العلم سبب لوجود الحلم، وهو اتساع الصدر لمساوئ الخلق ومدانئ أخلاقهم، وهذا الولد هو إسماعيل عليه السلام بلا شك لوجوه‏:‏ منها وصفه بالحليم، ووصف إسحاق عليه السلام في سورة الحجر بالعليم، ومنها أن هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان شاباً يرجو الولد، وهو بكره الذي ولد له بهذه البشرى، وهو الذي كان بمكة موضع الذبح، فجعلت أفعاله في ذبحه مناسك للحج في منى كما جعلت أفعال أمه في مكة المشرفة أول أمره عندما أشرف على الموت من العطش مناسك ومعالم هناك، وأما إسحاق عليه السلام فأتته البشرى فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ويأس أمرأته، ولذلك راجع في أمره ولم ينقل أنه فارق أمه من بيت المقدس، ولو كان هو الذبيح لذكره النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه حين سئل عن الأكرم فقال‏:‏ «يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله»، والرواية التي وردت بالإشارة إلى أنه الذبيح ضعيفة، بل صرح شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في سندها وضاعاً، ولأن هذه السورة سورة التنزيه، فأحق الناس بالذكر فيها- كما سلف- أعرق الناس في قدم التجريد، وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملاً إلى أن عولج ذبحه، ولم يذكر ظاهراً، فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في هذه السورة- التي حالها هذا- من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها، وذلك خارج عن نهج البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال، بل هذا الحال لا يقتضي ذكر إسحاق عليه السلام، لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه، وما كان ذكره إلا لبيان جزاء إبراهيم عليه السلام لما اقتضاه مقامه في الاجسان في باب التجريد والفناء- والله الموفق‏.‏